عبد الملك الثعالبي النيسابوري

225

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

ويلحق من يكون بمن كان ، الإنسان بالإحسان ، والإحسان بالسلطان ، والسلطان بالزمان ، والزمان بالإمكان ، والإمكان على قدر المكان ، الدنيا عروس كثيرة الخطاب ، والملك سلعة كثيرة الطلاب ، الحق حق وإن جهله الورى ، والنهار نهار وإن لم يره الأعمى ، العذل طلاق الرجال ، والمحنة صيقل الأحوال . الشجاع محبب حتى إلى من يحاربه ، كما أن الجبان مبغض إلى من يناسبه ، وكذلك الجواد خفيف حتى على قلب غريمه ، والبخيل ثقيل حتى على قلب وارثه وحميمه . الدهر يمطل وربما عجل ، وما شاء الإقبال فعل . الكريم من أكرم الأحرار . والعظيم من صغر الدينار . المصيبة في الولد العاق موهبة ، والتعزية عنه تهنئة . المحبة ثمن كل شيء وإن غلا . وسلم لكل شيء وإن علا ، الدهر يفي بعد غدر ، ويجبر عقب كسر ، ويتوب بعد ذنب ، ويعقب بعد عتب . التقدم للغاية تأخر عنها ، والزيادة على الكفاية نقصان منها . النسيب أخو النسيب ، والأديب صنو الأديب ، الشرف بين الأشراف نسب ولحمة ، وذمام وحرمة ، فالكريم شقيق الكريم ، والعظيم أخو العظيم ، وإن افترق بلداهما واختلف مولداهما ، إن السيوف على مقادير الأعضاء تفري ، وإن الخيل على حسب فرسانها تجري . إنما السؤدد بكثرة الأتباع وكثرة الأتباع بكثرة الاصطناع ، وإنما تحوم الآمال حيث الرغبة ، ويسقط الطير حيث تنثر الحبة . إنما النساء لحم على وضم « 1 » ، وصيد في غير حرم . إلا أن يلاحظن بعين غيور ، ونفس يقظ حذور ، إن الولاية عزل إن لم يعمر جوانبها عدل . إنما يتعلل بالمعازف شوقا إلى الاخوان ، ويؤكل لحم الثيران شهوة للحوم الضأن ، ويتجوز في الزبيبي على اسم العنبي ويستخدم الصقلبي عند غيبة التركي ، شراء الكاسد حسبه ، وحل المنعقد صدقه ، وهداية المتحيّر عباده ، معاتبة البريء السليم ، كمعالجة الصحيح غير السقيم ، الفرس الجواد إذا ضرب كبا ، والسيف الحسام إذا استكره نبا « 2 » ،

--> ( 1 ) الوضم : خشبة الجزّار التي يقطع عليها اللحم . ( 2 ) نبا السيف عن المضروب : أي لم يصبه .